أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

445

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

النوع التاسع عشر : الاستقصاء . وهو أن يتناول المتكلم معنى ، فيستقصيه ، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه ، بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية ، بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا ، كقوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ . . . الآية « 1 » ، إذ لو اقتصر على قوله : جنة ، لكان كافيا ، إلا أنه وصفها بالنخيل والأعناب ، فإن مصاب صاحبها بها أعظم ؛ ثم تمم هذا الوصف بقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ؛ ثم كمل وصفها بعد التتميمين ، فقال : لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، فأنى بكل ما يكون ، ليكون أسف من أفسدها أشد ؛ ثم وصف صاحبها بقوله : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ، ثم استقصى المعنى بما يوجب تعظيم المصاب ، بقوله تعالى وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ؛ ثم وصفها بالضعاف ؛ ثم ذكر استئصال الجنة بالهلاك في أسرع وقت ، فقال : فَأَصابَها ثم زاد قوله : فِيهِ نارٌ ؛ ثم رد احتمال ضعف النار ، فأخبرنا باحتراقها دفعا لما يتوهم من احتمال ضعف النار ، أو منع الأنهار ، ورطوبة الأشجار ، تأثيرها ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله : فَاحْتَرَقَتْ . فهذا أحسن استقصاء في كلام وأتمه وأكمله . قال ابن أبي الأصبغ : والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل ، أن التتميم يرد على المعنى الناقص ، والتكميل على التام ، والاستقصاء على التام الكامل . النوع العشرون : الاعتراض ؛ ويسمى التفاتا . وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الأعراب في أثناء كلام أو كلامين ، اتصلا معنى ، لنكتة غير دفع الإبهام ، نحو : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ « 2 » ، فجملة الاستثناء اعتراض للتبرك . وقد يكون الاعتراض بجملتين أو أكثر ، حتى أن في قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ، إلى قوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ « 3 » ، اعتراض بسبع جمل ، ومن وقوع اعتراض في اعتراض ، قوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 266 . ( 2 ) سورة الفتح ، آية : 27 . ( 3 ) سورة الرحمن ، الآيات : 46 - 54 .